سيد قطب
3421
في ظلال القرآن
وتابعته في الإحساس بتهافت أساطير المشركين حول الملائكة وعبادتها وبنوتها وأنوثتها . . إلى آخر هذه الأوهام الخرفة المضحكة ، التي تتهاوى عند اللمسة الأولى ووقفت أمام الكائن البشري ينشأ من الأرض ، وأمام الأجنة في بطون الأمهات . وعلم اللّه يتابعها ويحيط بها . وارتجف كياني تحت وقع اللمسات المتتابعة في المقطع الأخير من السورة . . الغيب المحجوب لا يراه إلا اللّه . والعمل المكتوب لا يند ولا يغيب عن الحساب والجزاء . والمنتهى إلى اللّه في نهاية كل طريق يسلكه العبيد . والحشود الضاحكة والحشود الباكية . وحشود الموتى . وحشود الأحياء . والنطفة تهتدي في الظلمات إلى طريقها ، وتخطو خطواتها وتبرز أسرارها فإذا هي ذكر أو أنثى . والنشأة الأخرى . ومصارع الغابرين . والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى ! واستمعت إلى صوت النذير الأخير قبل الكارثة الداهمة : « هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى . أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ » . . ثم جاءت الصيحة الأخيرة . واهتز كياني كله أمام التبكيت الرعيب : « أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ . وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ؟ » . فلما سمعت : « فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا » . . كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقا إلى أوصالي . واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي ، لم أملك مقاومته . فظل جسمي كله يختلج ، ولا أتمالك أن أثبته ، ولا أن أكفكف دموعا هاتنة ، لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة ! وأدركت في هذه اللحظة أن حادث السجود صحيح ، وأن تعليله قريب . إنه كامن في ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن ، ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة . ولم تكن هذه أول مرة أقرأ فيها سورة النجم أو أسمعها . ولكنها في هذه المرة كان لها هذا الوقع ، وكانت مني هذه الاستجابة . . وذلك سر القرآن . . فهناك لحظات خاصة موعودة غير مرقوبة تمس الآية أو السورة فيها موضع الاستجابة ؛ وتقع اللمسة التي تصل القلب بمصدر القوة فيها والتأثير . فيكون منها ما يكون ! لحظة كهذه مست قلوب الحاضرين يومها جميعا . ومحمد - صلى اللّه عليه وسلم - يقرأ هذه السورة يقرؤها بكيانه كله . ويعيش في صورها التي عاشها من قبل بشخصه . وتنصب كل هذه القوة الكامنة في السورة من خلال صوت محمد - صلى اللّه عليه وسلم - في أعصاب السامعين . فيرتجفون ويسمعون : « فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا » ويسجد محمد والمسلمون . . فيسجدون . . ولقد يقال : إنك تقيس على لحظة مرت بك ، وتجربة عانيتها أنت . وأنت مسلم . تعتقد بهذا القرآن ، وله في نفسك تأثير خاص . . وأولئك كانوا مشركين يرفضون الإيمان ويرفضون القرآن ! ولكن هنالك اعتبارين لهما وزنهما في مواجهة هذا الذي يقال : الاعتبار الأول : أن الذي كان يقرأ السورة كان هو محمد - صلى اللّه عليه وسلم - النبي . الذي تلقى هذا القرآن مباشرة من مصدره . وعاشه وعاش به . وأحبه حتى لكان يثقل خطاه إذا سمع من يرتله داخل داره ، ويقف إلى جانب الباب يسمع له حتى ينتهي ! وفي هذه السورة بالذات كان يعيش لحظات عاشها في الملأ الأعلى . وعاشها مع الروح الأمين وهو يراه على صورته الأولى . . فأما أنا فقد كنت أسمع السورة من قارئ . والفارق ولا شك هائل !